السيد كمال الحيدري

163

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

من هنا جاء التركيز على ضرورة محبّة أهل البيت عليهم السلام في قوله : قُلْ لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى « 1 » ، والمحبّة تستلزم المتابعة وتوجيهها ، وهذه المتابعة توجب حبّ الله لعباده قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ « 2 » ، وإذا أحبّ الله عبداً كان سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله ، لما ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : قال الله عزّ وجلّ : من أهان لي وليّاً فقد أرصد لمحاربتي ، وما تقرّب إليَّ عبدٌ بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضت عليه ، وإنّه ليتقرّب إليَّ بالنافلة حتّى أحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يُبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده التي يبطش بها . . . » « 3 » .

--> ( 1 ) الشورى : 23 . ( 2 ) آل عمران : 31 . ( 3 ) الأصول من الكافي ، الكليني : ج 2 ص 352 ، كتاب الايمان والكفر ، باب مَن آذى المسلمين واحتقرهم ، الحديث : 7 . وهذا المضمون متّفقٌ عليه بين الفريقين ، ويعبّرون عنه بقرب النوافل أو حبّ النوافل وهو غير حبّ أو قرب الفرائض . ذكر المجلسي في ذيل هذا الحديث وجوهاً كثيرة لبيان المراد منه ، ثمّ قال : « السادس : ما هو أرفع وأوقع وأحلى وأدقّ وألطف وأخفى ممّا مضى ، وهو أنّ العارف لما تخلّى من شهواته وإرادته وتجلّى محبّة الحقّ على عقله وروحه ومسامعه ، وفوّض جميع أُموره إليه وسلّم ورضى بكلّ ما قضى ربّه عليه ، يصير الربّ سبحانه متصرِّفاً في عقله وقواه ويدبّر أُموره على ما يحبّه ويرضاه ، فيريد الأشياء بمشيّة مولاه كما قال سبحانه مخاطباً لهم : وَما تَشاءونَ إِلّا أنْ يَشاءَ اللهُ ( الإنسان : 30 ) ، كما ورد في تأويل هذه الآية في غوامض الأخبار عن معادن الحكم والأسرار والأئمّة الأخيار . وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وآله : قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمان يقلّبها كيف يشاء . وكذلك يتصرّف ربّه الأعلى منه في سائر الجوارح والقوى ، كما قال سبحانه مخاطباً لنبيّه المصطفى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى ( الأنفال : 17 ) وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ( الفتح : 10 ) ، فلذلك صارت طاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله ، فاتّضح بذلك معنى قوله تعالى : « كنت سمعه وبصره وأنّه به يسمع ويُبصر » ، فكذا ساير المشاعر تدرك بنوره وتنويره ، وسائر الجوارح تتحرّك بتيسيره وتدبيره ، كما قال تعالى : فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ( الليل : 7 ) . قال المحقّق الطوسي « قدّس الله روحه القدوسي » : العارف إذا انقطع عن نفسه واتّصل بالحقّ ، رأى كلّ قدرة مستغرقة في قدرته المتعلّقة بجميع المقدورات ، وكلّ علم مستغرقاً في علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات ، وكلّ إرادة مستغرقة في إرادته التي لا يتأبّى عنها شيء من الممكنات ، بل كلّ وجود وكلّ كمال وجود ، فهو صادر عنه فائض من لدنه . فصار الحقّ حينئذ بصره الذي يُبصر به ، وسمعه الذي به يسمع ، وقدرته التي بها يفعل ، وعلمه الذي به يعلم ، وجُوده الذي به يجود ، فصار العارف حينئذ متخلّقاً بأخلاق الله في الحقيقة » . مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول : ج 10 ص 395 .